ابن الجوزي

259

زاد المسير في علم التفسير

وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها ، واستوحشوا من إعادتها ثانية لأنها كلمة واحدة ، فغيروا منها حرفا ثم أتبعوها الأولى ، كقولهم ، عطشان نطشان ، وشيطان ليطان ، وحسن بسن . قال ابن دريد : ومن الاتباع : جائع نائع ، ومليح قريح ، وقبيح شقيح ، وشحيح نحيح ، وخبيث نبيث ، وكثير نثير : وسيغ ليغ ، وسائغ لائغ ، وحقير نقير ، وضئيل بئيل ، وخضر مضر ، وعفريت نقريب ، وثقة نقة ، وكن إن ، وواحد فاحد ، وحائر بائر ، وسمج لمج . قال ابن قتيبة : فلما عدد الله تعالى في هذه السورة نعماءه ، وأذكر عباده آلاءه ، ونبههم على قدرته ، جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين كل نعمتين ، ليفهمهم النعم ويقررهم بها ، كقولك للرجل : ألم أبوئك منزلا وكنت طريدا ؟ أفتنكر هذا ؟ ألم أحج بك وأنت صرورة ؟ أفتنكر هذا ؟ . وروى الحاكم أبو عبد الله في " صحيحه " من حديث جابر بن عبد الله قال : قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها قال : " مالي أراكم سكوتا ؟ ! للجن كانوا أحسن منكم ردا ، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) إلا قالوا : ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد " . قوله [ عز وجل ] : ( رب المشرقين ) قرأ أبو رجاء ، وابن أبي عبلة : " رب المشرقين ورب المغربين " بالخفض ، وهما مشرق الصيف ومشرق الشتاء ومغرب الصيف ومغرب الشتاء [ للشمس والقمر جميعا ] . قوله [ تعالى ] : ( مرج البحرين ) أي : أرسل العذب والملح وخلاهما وجعلهما ( يلتقيان ) ، ( بينهما برزخ ) أي : حاجز من قدرة الله تعالى ( لا يبغيان ) أي : لا يختلطان . فيبغي أحدهما على الآخر . وقال ابن عباس : بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام . وقال الحسين : " مرج البحرين " يعني بحر فارس والروم ، بينهما برزخ ، يعني الجزائر ، وقد سبق بيان هذا في الفرقان .